صديق الحسيني القنوجي البخاري

483

فتح البيان في مقاصد القرآن

مخالفته للأمر أي اهبط من السماء التي هي محل المطيعين من الملائكة الذين لا يعصون اللّه فيما أمرهم إلى الأرض التي هي مقر من يعصي ويطيع فإن السماء لا تصلح لمن يتكبر ويعصي أمر ربه مثلك ، وقيل اهبط من الجنة والهبوط النزول والانحدار من فوق إلى أسفل على سبيل القهر والهوان والاستخفاف ومن التفاسير الباطلة ما قيل : إن معنى اهبط منها أي أخرج من صورتك النارية التي افتخرت بها إلى صورة مظلمة مشوهة ، وقيل المراد هبوطه من زمرة الملائكة . فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها أي في الجنة لأنه لا ينبغي أن يسكن في الجنة أو السماء متكبر مخالف لأمر اللّه عز وجل ، ولا يتوهم أنه يجوز أن يتكبر في غيرها لأن التقدير ما يكون لك أن تتكبر فيها ولا في غيرها وعلى هذا لا مفهوم لها . وجملة فَاخْرُجْ لتأكيد الأمر بالهبوط متفرع على علته ، وجملة إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ تعليل للأمر بالخروج أي : إنك من أهل الصغار والهوان على اللّه وعلى صالحي عباده يذمك كل إنسان ، ويلعنك كل لسان لتكبرك ، وبه علم أن الصغار لازم للاستكبار فكل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار ، ومن لبس رداء التواضع ألبسه اللّه رداء الترفع ، وقال الزجاج : استكبر عدو اللّه إبليس فابتلاه اللّه بالصغار والذلة والصغار بالفتح الذل والضيم وكذا الصغر والصاغر الذليل والراضي بالضيم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 14 إلى 18 ] قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 14 ) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 15 ) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ( 17 ) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ( 18 ) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ جملة استئنافية أي أمهلني إلى يوم البعث وكأنه طلب أن لا يموت لأن يوم البعث لا موت بعده والضمير في يبعثون لآدم وذريته أي يبعثون من قبورهم بالنفخة الثانية عند قيام الساعة قالَ أي أجابه اللّه بقوله إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ أي الممهلين المؤخرين ثم تعاقب بما قضاه اللّه عليك وأنزله بك في دركات النار . وقد بين اللّه مدة النظر والمهلة في سورة الحجر فقال تعالى فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [ الحجر : 37 ، 38 ] وذلك هو النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم ، قيل الحكمة في إنظاره ابتلاء العباد ليعرف من يطيعه ممن يعصيه . قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي الجملة مستأنفة والباء للسببية ، وبه قال الزمخشري ، وقيل قسمية وهو الظاهر كقوله فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ ص : 82 ] أي فبإغوائك إياي ، والإغواء الإيقاع في الغي ، وقيل الباء بمعنى مع والمعنى فمع إغوائك إياي